أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
652
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ومن نصب فعلى إضمار « أن » عطفا على مصدر متوهّم مأخوذ من قوله : « فهو خير لكم » ، والتقدير : وإن تخفوها يكن أو يوجد خير وتكفير . ونظيرها قراءة من نصب : فَيَغْفِرُ بعد قوله : يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ « 1 » ، إلّا أنّ تقدير المصدر في قوله : « يحاسبكم » أسهل منه هنا ، لأنّ ثمة فعلا مصرّحا به وهو « يحاسبكم » ، والتقدير : يقع محاسبة فغفران ، بخلاف هنا ، إذ لا فعل ملفوظ به ، وإنما تصيّدنا المصدر من مجموع قوله : « فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » . وقال الزمخشري : « ومعناه : وإن تخفوها يكن خيرا لكم وأن يكفّر » . قال الشيخ « 2 » : « وظاهر كلامه هذا أنّ تقديره « وأن يكفّر » يكون مقدّرا بمصدر ، ويكون معطوفا على « خيرا » الذي هو خبر « يكن » التي قدّرها ، كأنه قال : يكن الإخفاء خيرا لكم وتكفيرا ، فيكون « أن يكفّر » في موضع نصب ، والذي تقرّر عند البصريين أنّ هذا المصدر المنسبك من « أن » المضمرة مع الفعل المنصوب بها هو مرفوع معطوف على مصدر متوهّم مرفوع ، تقدّره من المعنى . فإذا قلت : « ما تأتينا فتحدثنا » فالتقدير : ما يكون منك إتيان فحديث ، وكذلك : « إن تجيء وتحسن إليّ أحسن إليك » التقدير : إن يكن منك مجيء وإحسان أحسن إليك ، فعلى هذا يكون التقدير : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فيكون زيادة خير للإخفاء على خير الإبداء وتكفير » . انتهى ولم أدر ما حمل الشيخ على العدول عن تقديره أبي القاسم إلى تقديره وتطويل الكلام في ذلك مع ظهور ما بين التقديرين ؟ . وقال المهودي : « هو مشبّه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام » . وقال ابن عطية : « الجزم في الراء أفصح هذه القراءات لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء ، وأمّا رفع الراء فليس فيه هذا المعنى » . قال الشيخ « 3 » : « ونقول إنّ الرفع أبلغ وأعمّ ، لأنّ الجزم يكون على أنه معطوف على جواب الشرط الثاني ، والرفع يدلّ على أنّ التكفير مترتّب من جهة المعنى على بذل الصدقات أبديت أو أخفيت ، لأنّا نعلم أنّ هذا التكفير متعلّق بما قبله ، ولا يختصّ التكفير بالإخفاء فقط ، والجزم يخصّصه به ، ولا يمكن أن يقال إن الذي يبدي الصدقات لا يكفّر من سيئاته ، فقد صار التكفير شاملا للنوعين من إبداء الصدقات وإخفائها وإن كان الإخفاء خيرا » . قوله : مِنْ سَيِّئاتِكُمْ في « من » ثلاثة أقوال : أحدها : أنها للتبعيض ، أي : بعض سيئاتكم ، لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات ، وعلى هذا فالمفعول في الحقيقة محذوف ، أي : شيئا من سيئاتكم ، كذا قدّره أبو البقاء . والثاني : أنها زائدة وهو جار على مذهب الأخفش وحكاه ابن عطية عن الطبري عن جماعة ، وجعله خطأ ، يعني من حيث المعنى . والثالث : أنها للسببية ، أي : من أجل ذنوبكم ، وهذا ضعيف . والسيئات جمع سيّئة ، ووزنها فيعلة وعينها واو ، والأصل : سيوءة ففعل بها ما فعل بميّت ، وقد تقدّم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 272 إلى 273 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 )
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 284 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 325 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 326 ) .